الأيام

الواقعية وإرهاصات ما بعد الحداثة في تقنيات شعر قاسم حداد

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 10058 السبت 22 أكتوبر 2016 الموافق 21 محرم 1438

يبدو أن التاريخ الأدبي في البحرين قد أقر بصورة شبه نهائية أن الشاعر قاسم حداد أكمل مرحلة الحداثة بإتجاهه الواقعي في الشعر البحريني وأسهم بفعالية في إنضاج التحولات الاساسية نحو الواقعية الجديدة، وهذا الموقف الذي يكاد أن يكون مسلمة في النقد العربي الحديث استند إلى مجموعة من القرائن ثبتها الشاعر والناقد د. علوي الهاشمي على النحو الآتي: ابتعاد حداد عن كتابة القصيدة العمودية. استعمال الرمز والانطلاق من تخوم التفكير الرمزي في قصائده. تجربته السياسية الخاصة التي انعكست في شعره. انجذابه المستمر نحو الواقع. والاتجاه الجمالي الفني في استلهام حركة الحياة، ولكن هذه العناصر لم يجر فحصها بشكل دقيق من قبل النقد العربي استنادا الى النص الذي يكتبه حداد، كما لم يبحث النقد العربي أسباب انتقاله من نوع شعري إلى آخر (من قصيدة التفعيلة الى قصيدة النثر) على نحو يمكن من خلاله رصد العناصر التي تشكل التحول والصيرورة الدافعة لوجود هذا النمط أو ذاك في شعره.
لذلك تبدو الدراسات السابقة وكأنها اضافة كمية وليست نوعية في تاريخ تجربته في الحداثة، وعليه فقد كانت الآراء التي كتبها نقاد مثل طراد الكبيسي ومحمد المناعي وآخرون تهتم بقصيدة التفعيلة فقط، ولا تهتم بالتحول الخطير نحو قصيدة النثر، ونحن نرى أن حداد تعرض في هذا الجانب إلى ظلم نقدي وتاريخي خاصة فيما يتعلق بترسيخه الحداثة في القصيدة العربية والبحرينية خاصة.
لقد دفع هذا التغاضي عن تجربة حداد الشاعر نفسه لتسويغ أسباب انتقاله إلى النثر وذلك بقوله: (يمكن العودة في ما كتبت الى بدايات الخروج على حدود الشرط الفني للقصيدة متمثلا في النزوع المبكر لمحاولة اكتشاف الشعر في النثر)، وتمثل هذه المحاولة التي أقرها حداد قلقا وجوديا في علاقة الشاعر بالنص فهو حين يبدع بنوع معين من الشعر وفي لحظة الابداع كان ينظر إلى المنطقة التي يمكن أن ينفلت فيها من الاطار الراهن للنص، وهذا يعني ان الشاعر يؤسس في ابداعه الآني لإبداع مستقبلي ولهذا كانت بعض القصائد مثل (خروج رأس الحسين من المدن الخائبة)، (والدم الثاني)، تمثل تململا فنيا مبكرا من أسر قصيدة التفعيلة، ولكن الإشكال في هذا التململ أنه لم يكن مدركا جماليا لدى الشاعر (وهذا ما يعترف به بنفسه)، وكان ماهو غير مدرك يمثل المقصدية التي يحاول الشاعر الوصول اليها وهي (تعني الرسالة الواعية المتفاعلة مع اللاوعي) لتحقيق شكل جديد.
وعلى هذا الأساس نجد أن عملية التحول النوعي في قصيدة حداد أنجزت بعد عملية تأمل وادراك وتجربة مزجت بين الوعي واللاوعي، وكانت قصيدة النثر هي المآل الذي وجد حداد فيه غاية التمرد على السائد والمألوف، وإذا كانت المرحلة الواقعية التي رسخها حداد في قصيدة التفعيلة قد أنجزت مهماتها في ديوان (البشارة) الذي يصفه علوي الهاشمي (بأنه قفزة كبيرة في تجربة الشعر البحريني لأنها نظرت الى الواقع بوعي واطلت على المستقبل برؤية ناضجة)، فإن مرحلة ما بعد الحداثة رسمت ملامحها الأولى في نزوع حداد لخلق الشعر من النثر، وهذه المقدمات تنم عن قلق وجودي يجعل الشاعر يبحث باستمرار عن شكل قار في ابداعه، ولكن هذا البحث سرعان ما يصطدم ببحث جديد عند الوصول الى الغاية الاولى من أجل التحول إلى شكل جديد.
وفي هذا الجانب يمكن القول ان عملية البحث بحد ذاتها هي عملية انتاج مستمرة لجدل الاشكال الشعرية لدى حداد، يقول حداد في الصدد: «بعد صدور كتابي الاول (البشارة) بدأت لدي مشاعر عميقة، بأن مبرز كتابتي الشعر هو أن أسعى الى اكتشاف قول التجربة بشكل جميل، وان احاول قول ما اريد بشكل جديد في كل مرة، أي أن أقول شكلا جديدا وليس موضوعًا جديدًا»، وهنا يستعيد حداد قول الجاحظ: المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي بطريقة معاصرة، (أي أن المضمون ليس هدفا بذاته بل تشكيلاً متعاضدًا مع الشكل في انتاج الشعر).
ويعيد موقف حداد من الشكل والمضمون عملية النفي التي اكدتها المدارس الجمالية والفنية المعاصرة التي تذهب إلى أن الشكل ليس وعاءً للمضمون، وهنا يمكن أن يطرح هذا الموقف النظري عن معنى الشكل في قصيدة النثر إذا لم يكن الوعاء أو التشكيل البصري للقصيدة، والإجابة على هذا السؤال تكمن في اللغة وقدرتها على انتاج علاقات تحقق فنية النص وجماليته ورسالته وبالتالي شعريته، هذا الموقف من الشكل أدركه حداد نظريا لكنه لم يستطع تأطيره فكريًا.
فقد أدرك حداد خطورة اللغة ولكن لم يستطع التوصل إلى أثرها في الشكل الشعري، خاصة أنه يرى أن الشعر لغة بالأساس، وهذا الالتباس النظري بشأن اللغة وجد حلاً جماليًا وفنيًا في التطبيق العملي في قصيدة حداد، ففي مجموعته الشعرية ديوان (القيامة) الصادر عام 1980 اعتمد حداد على تضمين الاشارة في اللغة المكتوبة وهذه الاشارة في أهم تأويلاتها تمثل المسكوت عنه في النص.
ففي قصيدة (دخول أول) التي يفتتح بها المجموعة الشعرية يبدأ حداد بالسطر الشعري على النحو الآتي: «... فدخلت دخلت وصرت جميع الأوقات معا وشعرت بأني بدءاً لم يبدأ» وتشير هذه المقدمة إلى أن النص لم يبدأ من اللغة المكتوبة بل بدأ قبلها وذلك متحقق في علامة الترقيم (النقط) السابقة لحرف العطف بما يشير الى أن ما قبله قد حذف من النص، وحين ينتهي المقطع الشعري، يكتب حداد السطور الاخيرة على النحو الآتي: «كنت جنينًا طفلاً رجلاً لا أعرف أين وكانت تعرف أني كنت وجئت...»، ويتوقف النص في المفردة الأخيرة بما يوحي بوجود المسكوت عنه لأن العبارة لم تكتمل بعد (وجئت).
ويكرر هذه التقنية في قصائد أخرى في هذه المجموعة بما يشير إلى وجود نصين فيها، نص مكتوب ونص محسوس الأول يقيم علاقة حوار مع القارئ والثاني يقيم القارئ حوارًا لاستنطاق حقيقة وجوده وتأويله، وهذه التقنية واحدة العوامل التي أعطت لنــص قاسم حداد آفاقًا واسعة في التأويل واتجاهـا حداثويــا في تطــور القصيدة البحرينية، الأمر الذي يشير الى وجــود ارهاصــات مرحلة ما بعد الحداثة في قصيدته.

كلمات مفتاحية
Show more